من مصلحة العالم أن تصل أثيوبيا إلى البحر الأحمر

أنس فودة
8 min read
تنويه: الآراء الواردة في المقال تعبر عن موقف كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر الموقع

يُعدّ البحر الأحمر أهم نقطة اختناق بحرية تربط اقتصادات آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويشكّل طريقًا اقتصاديًا عالميًا تمرّ عبره ما بين 12% و15% من إجمالي التجارة الدولية، فضلًا عن كونه ممرًا حيويًا للبنية التحتية الرقمية.

ومن المتوقع أن تتزايد أهمية هذا الممر البحري والتجاري في المستقبل، مما يعزز من مكانته الاستراتيجية على الصعيد العالمي.
غير أن انزلاقه مؤخرًا نحو حالة من عدم الاستقرار، نتيجة للصراعات بالوكالة والتنافسات الإقليمية الكامنة، يشكّل تهديدًا جوهريًا لسلاسل الإمداد العالمية، وللأمن والاستقرار الدوليين.
ولتأمين هذه الساحة الحيوية، لا بد من التخلي عن الديناميكيات الصفرية الراهنة، لصالح توازن إقليمي جديد ومستقر.
يتناول هذا المقال العوامل الحاسمة التي تُعرّف ساحة البحر الأحمر: أهميتها العالمية، وتأثير هشاشة الدول، والاحتياجات الوجودية لأكبر دولة في القرن الأفريقي، ويطرح أن تسوية سياسية تدمج حاجة إثيوبيا الحديثة والمتسارعة النمو إلى منفذ بحري دائم ومتوقّع، تُمثّل المسار الأكثر واقعية نحو الاستقرار طويل الأمد ومستقبل تعاوني مستدام.

البحر الأحمر: شريان اقتصادي ورقمي عالمي

تُعدّ القيمة الاستراتيجية للبحر الأحمر غير قابلة للتفاوض. فهو لا يمثّل مجرد شريان للتجارة العالمية، بل يُعد أيضًا ممرًا رقميًا لا غنى عنه، إذ يحتضن قاعه البحري كثافة هائلة من كابلات الألياف الضوئية التي تُمكّن معاملات مالية ومعلوماتية تُقدّر بتريليونات الدولارات يوميًا. وأي اضطراب في هذا الممر لا يُعدّ مجرد عائق تجاري، بل هجومًا مباشرًا على الاتصال العالمي والأمن المالي.
هذا الموقع الجغرافي، الذي يربط ثلاث قارات، منها آسيا وأفريقيا الأسرع نموًا، ويقطنهما أكثر من نصف سكان العالم، يضع المنطقة في قلب إسقاط القوة العالمية، لا سيما من خلال مبادرات مثل “الحزام والطريق” الصينية، التي تعتمد بشكل كبير على المرور الآمن عبر شمال البحر الأحمر. لذا، يُعدّ البحر الأحمر كيانًا جيوسياسيًا تتحوّل فيه الاضطرابات المحلية فورًا إلى مخاطر نظامية عالمية.

إثيوبيا وسعيها للوصول إلى البحر

تواجه إثيوبيا، الدولة التي يزيد عدد سكانها عن 130 مليون نسمة (ومن المتوقع أن يصل إلى 200 مليون خلال عقود)، وواحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في أفريقيا، عبئًا اقتصاديًا وجوديًا، كونها أكبر دولة غير ساحلية في العالم.
وسياستها المعلنة – ضرورة الوصول إلى البحر – ليست نزعة إمبراطورية، بل ضرورة جغرافية للنمو الوطني المستدام والأمن القومي.
تعتمد إثيوبيا حاليًا على ميناء واحد مزدحم (غالبًا جيبوتي)، ما يضطرها إلى إنفاق نحو ملياري دولار سنويًا على رسوم العبور والخدمات اللوجستية، وهو رقم يُستنزف من احتياطاتها من العملات الصعبة وعائدات التصدير، ويُعدّ بمثابة ضريبة هيكلية على الاقتصاد بأكمله، تعيق التصنيع وتحدّ من جهود الحد من الفقر.

تسعى إثيوبيا للوصول إلى البحر عبر ثلاثة مسارات:

  1. المسار القانوني والسياسي والدبلوماسي: عبر اتفاقيات ثنائية طويلة الأمد تحظى باعتراف دولي.
  2. المسار التجاري: من خلال عقود تأجير موانئ أو ملكية جزئية، استنادًا إلى الحقوق القانونية الدولية للدول غير الساحلية.
  3. الخيار العسكري: وهو ما يعكس شعورًا عميقًا بالهشاشة والتصميم الوطني على حل هذه المسألة، وهو تهديد يجب احتواؤه عبر حل إقليمي شامل.
    إن مطلب إثيوبيا مبرّر ليس فقط تاريخيًا، بل أيضًا بحجمها الاقتصادي والديموغرافي الهائل، ما يجعل الوصول إلى البحر ضرورة وجودية لا يمكن تجاهلها في أي تصور للاستقرار الإقليمي.

هشاشة الدولة والعامل الإريتري

على الجانب الآخر، تشكل البنية السياسية الداخلية لإريتريا عنصرًا حاسمًا من الهشاشة غير المتوقعة في معادلة البحر الأحمر.
فرغم ادعاءات الاستقرار، تُعدّ إريتريا دولة عسكرية استبدادية، تفتقر إلى مؤسسات سياسية فاعلة، وتُدار عبر جهاز أمني واسع.
هذا الغياب للقدرة على امتصاص الصدمات – اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا – يجعلها شديدة الهشاشة أمام الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية.
تحكمها طموحات زائدة، وتتبنى سياسات تؤدي إلى:

  • الانخراط في صراعات دائمة عبر تعبئة الموارد البشرية وغيرها للحروب أو عبر وكلاء.
  • العمل كوكيل لقوى إقليمية كبرى تسعى للسيطرة الكاملة على البحر الأحمر.

كلا الخيارين يُعدّ مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار، بما يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الإثيوبي. فالبحر الأحمر قضية أمن قومي لإثيوبيا، ولا يمكن ترك إدارته لقوى أخرى. لذا، لن تقبل إثيوبيا نتائج السياسات الإريترية الحالية، ويجب إيجاد خيار ثالث يضمن السلام والأمن بين البلدين وفي ساحة البحر الأحمر الأوسع.
إضافة إلى ذلك، تواجه إريتريا انقسامات داخلية بين سكان الساحل والمرتفعات، وتغيرات ديموغرافية نتيجة هجرة جماعية للشباب.
وقد يؤدي رحيل أو خلافة “الديكتاتور الحالي” إلى فوضى سياسية، تفتح الباب لتدخلات خارجية، وتحول البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة على حدود أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فالدولة الساحلية الهشة تُعدّ تهديدًا مباشرًا للملاحة المستقرة.

خطر التنافس الجيوسياسي

تُغري هشاشة دول القرن الأفريقي الساحلية القوى الدولية بالتدخل. وقد تحولت منطقة البحر الأحمر إلى مسرح لصراعات بالوكالة، تقودها دول قوية في الإقليم.

يتقاسم النفوذ على الساحل الشرقي كل من إيران (عبر الحوثيين في اليمن) والسعودية بساحلها الطويل الممتد، والإمارات (المتواجدة في جزيرة سقطرى اليمنية عند مدخل البحر الأحمر). أما الساحل الغربي (الأفريقي)، فيحتضن قواعد عسكرية أجنبية متعددة – من الولايات المتحدة وفرنسا إلى الصين وتركيا – مما يعكس مركزية المنطقة في تنافس القوى الكبرى.

هذا النشاط بالوكالة يُفاقم التوترات المحلية، ويحوّل النزاعات الداخلية والخلافات الحدودية إلى صراعات دولية ضخمة.

المنطقة الساحلية المتنازع عليها

وهي منطقة في جنوب البحر الأحمر، يسكنها شعب العفر، الذي تربطه روابط ثقافية وعشائرية بإثيوبيا. وتمتد هذه المنطقة من جنوب ميناء مصوع إلى ميناء عصب، بطول 600 كيلومتر وعرض 60 كيلومترًا من الحدود الإثيوبية، وتُعرف باسم “منطقة دنكاليا” في إريتريا. وهي منطقة قليلة السكان، وتُعدّ امتدادًا طبيعيًا لإثيوبيا.
استمرار سياسة حرمان إثيوبيا من منفذ بحري دائم ومتوقّع، سيؤدي إلى صراعات داخلية مستمرة، وحروب إقليمية، وعدم استقرار دائم.

وفي هذا السياق، فإن حملة مثل التي تقودها مصر لمنع إثيوبيا من الوصول إلى البحر تمثل جزءًا من هذا الصراع الإقليمي الصفري، وهو نهج يُعدّ استراتيجيًا مضادًا للاستقرار.

الطريق نحو توازن جديد وسلام مستدام

يتطلب تحقيق السلام والاستقرار الإقليمي ترتيبًا سياسيًا يعترف بضرورة تمكين إثيوبيا ومنحها وصولًا متنوعًا إلى البحر، لتكون ركيزة أساسية في هيكل الأمن الإقليمي.

فإثيوبيا، بحجم اقتصادها وسكانها وجغرافيتها، تُعدّ شريكًا أكثر موثوقية من دول صغيرة وهشة واستبدادية، ومرساة استقرار وتعاون إقليمي.
كما لا يمكن لدولة بحجم إثيوبيا وتنوعها الثقافي أن تُحكم إلى الأبد بنظام مركزي استبدادي. عوامل النمو ستدفع نحو اللامركزية، وهي عنصر أساسي في الحكم الديمقراطي، وتُهيئ لتوزيع عادل للثروة وتقدّم اقتصادي مستدام.

ولتكون إثيوبيا مرساة للسلام في ساحة البحر الأحمر، يجب أن تحلّ تحدياتها الأمنية الداخلية سلميًا، وتركّز على التنمية الاقتصادية والحكم الديمقراطي. ويجب إعطاء الأولوية القصوى لحل قضية تيغراي وفق اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية، ومنع الحكومة الإريترية من أي إمكانية لشن حرب بالوكالة.

نتيجة رابحة للجميع

من خلال دمج احتياجات إثيوبيا في ترتيب متبادل المنفعة، يضمن وصولًا دائمًا إلى البحر يحظى باعتراف دولي، يمكن للمنطقة أن تنتقل من التنافس إلى التعاون.

وبذلك تحصل إثيوبيا على شريان الحياة الذي تحتاجه؛ وتكسب الدول الساحلية مليارات الدولارات من الاستثمارات ورسوم العبور والتنمية الاقتصادية المشتركة؛ بينما تنعم الأسرة الدولية ببحر أحمر أكثر أمنًا واستقرارًا.

إن إثيوبيا المسالمة، ذات الحكم الديمقراطي، والمتكاملة اقتصاديًا، تمتلك القدرة على إرساء توازن جديد ودائم في ساحة البحر الأحمر، وترسيخ أجندة السلام والأمن في البحر الأحمر لعقود قادمة.